منتديات شباب تايمز - :: فأنتَ الشهرُ الذي تهفو القلوبُ لرؤيتِه ::
دخول الأعضاء
الإسم: الكلمة السرية:
هل نسيت الكلمة السرية؟ أضغط هنا..



طباعة
حجم الصفحة:
الصفحة :
إذهب إلى منتدى:
رمضان 2019 مبارك
  :: فأنتَ الشهرُ الذي تهفو القلوبُ لرؤيتِه ::  عرض جميع المشاركات بالكامل تصغير عرض جميع المشاركات
عبد الله عضوية موثقة
19:54 - 05/09  
ما هي إلاّ أيّامٌ ويهلُّ علينا شهرٌ هو الأجملُ من بينِ الشهور، وهو الأروعُ من بينِ ما تحملُهُ أزاهرُ الزمن وتزفّهُ طلائعُ البشرى.. هو شهرُ رمضان بلا ريب، شهرُ البسمةِ والسعادةِ والبركة.. ومَن غيرُه، يحرّكُ ما في القلبِ من خلجاتٍ وذكرياتٍ وأمنيات، ويعزفُ على قيثارةٍ أوتارُها من نبضهِ، ذاك اللحنَ الرائقَ والشجيَّ الذي يملأُ النفسَ سكينةً وصفاءً، والروحَ تألّقًا ونقاءً، فتفيضُ بِشرًا وغبطةً وحُبورًا، وتنسكبُ أُنسًا ونشوةً وسرورًا لا يعرفُ الانتهاء؟.. ومَن غيرُه يحفرُ في أغوارِ القلبِ تلك الحفرةَ العميقةَ والطليقة، ليتركَ فيها خبيئةً من أثمنِ ما يكون، فرحةً ورحمةً، ورضًا وطمأنينةً، تعلو على كنوزِ الدنيا أجمع، بما فيها من أموالٍ وثرواتٍ لا تُحصى ولا تُستَدرَك!



هو رمضان.. شهرُ الفرحةِ بامتياز.. بل هو شهرُ التميّزِ على كلّ الأصعدة.. أرأيتَ شهرًا ينزلُ فيه كلامُ الله؟ أفلا يكفيه هذا ليُتوَّج ملكًا على بقية الأشهرِ بلا قرينٍ أو منازع؟ أفلا يكفيه أن يكونَ شهرًا تُصفَّدُ فيه أيادي الشرّ، وتطلَقُ فيه أيادي النَّعماءِ والخيرِ، ليطمئنَّ المؤمنُ فيه ويرتاح، ولا يبالي بأمورِ الدنيا وما يعصفُ بهِ فيها من كرباتٍ وهمومٍ ومشاكلَ ومنغّصات؟!.. أفلا يكفيه أنّ فيه ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألفِ شهر؟!



كلُّ شيءٍ في الحياة عندي قد يتغيّرُ ويتبدّلُ ويتبدّد، وكلُّ شيءٍ قد يخفُّ وقد يقلُّ، وقد يذوي ويذبلُ مع مرورِ الوقتِ وكرورِ الأيّام أو يزول، إلّا فرحتي بهذا الشهر وبهجتي بقدومه، وترقّبي له بفارغ الصبرِ وبالغِ اللهفةِ والاشتياق.. وَيْكأنّهُ طفلٌ يولدُ كلّ مرّةٍ كاملَ الدهشةِ والبهجةِ والبهاء، لا يعرفُ الكبرَ ولا الشيخوخة، ولا يدركُ المللُ إليه طريقًا ولا مسلكاً.. لا شيءَ قد يسلبهُ نعماءه وبهاءه ونقاءهُ وجلال معانيه، حتّى ولو جاء في عزّ القهرِ والدمار والخراب، وإن صادف أقسى سنين الغربةِ والعذاب... فهو شهرٌ يقاومُ العذابَ بلا رَهب، يستأصلهُ من جذوره، ليبثَّ فيه روحه الحلوة الذائبة المصبوبة في قالبٍ من سكينةٍ وارتياحٍ، وسلامٍ عجيبٍ غريب لا تدركُ لهُ وصفًا ولا كنهًا ولا تفسيرا!... هو شيءٌ يُحَسُّ ولا يُعبَّرُ عنه، يُصاغُ حينَ نذوبُ فيه... شهرٌ تتدلّلُ فيه الروحُ وتترقّى، وتأخذُ مجدَها وسناها، ذاك الذي لطالما فقدَته وحُرمت منهُ أيامًا طويلةً وليالٍ مديدة.



قد يختلفُ عليّ رمضان ما بينَ الحاضرِ والآنف.. قد تهبُّ عليَّ نسائمُ من ذكرى وحنين، فأفتقدُ قدومَهُ في منزلِ أهلي الذي عايشتُ فيه أجملَ الساعاتِ وأروعها.. قد تغمرُني رائحةُ الماضي، ويمرُّ بي طيفٌ رقيقٌ لذكرياتي الحلوةِ فيه، فيثيرُ بنفسي بعضَ شجون.. قد أفتقدُ فيهِ حنانَ أمّي، ولمسةَ دفئها، وهمسةَ قربِها ومودّتها، ولذّة طعامها الفريدِ الذي لم أذُق في الدنيا طعامًا أطيبَ منه، لأنّهُ سُوّيَ على نارِ المحبّةِ والصبرِ... قد أفتقدُ وجهها الأبيضَ الباسم الذي يجلّله النور، ويكلّله الصمت من كل جوانبه، فيبدو كتاجٍ لامعٍ يعتلي قممَ الرؤوس...



قد أفتقدُ صوتَ أبي الحبيب، صخبَه وبشاشتَه.. روحَ الطفلِ الحلوِ الطيّبِ المزروعةِ فيه.. جلبتَهُ التي يحدثها في البيت وحبَّهُ للحركةِ وللنشاطِ.. إيقاظه إيّانا في منتصف الليل لتناولِ وجبةِ السحور قبل قدوم الطبّال بساعتين! ضوء المصباحِ الذي يشعله عنوةً كي يجبرنا على القيامِ رغماً عنّا، حتّى وإن كانت لنا مخططات أخرى، كالاستيقاظ قبل صلاةِ الفجرِ بساعةٍ مثلاً!.. قد أفتقدُ جنوحَ عناده، حين يصرُّ أن نجتمع على شيءٍ يحبه ولو لربع ساعةٍ ليس إلاّ، لأنّهُ يُكرمُ وفادة هذا الشهر، ويحسنُ استقباله، ويعرفُ أنّه ضيفٌ جامعٌ للشملِ، مفرّقٌ للحِمل، ولا ينبغي تخطّيه بهذه البساطة، ولو بالنومِ لساعتين قبل طلوعِ الفجرِ ليس إلاّ...



قد أفتقدُ جَمعة إخوتي.. لمّةَ العائلةِ الكبيرة.. خصوماتنا الجنونيّة المشتعلة أبدًا، المنطفئةِ في رمضان على مضضٍ وكأنّهُ وقتُ الهدنة.. اجتماعَنا بانشراحٍ وجذَل على مائدةِ البهجةِ والسَّعدِ والهناء.. صلاةَ التراويحِ في مسجدٍ لا يغربُ عن القلبِ والروحِ قيدَ نبضة.. وجوهَ الأقاربِ الطفوليّة.. قلوبًا تبسمُ ووجوهًا تُضيء...



إلاّ أنّني أبدًا أراه هوَ هو، أينما حلَلتُ وكيفما توجّهت.. في ابتسامةِ هلالِه وإشراقِ معانيه.. في يديه المعطاءتين الدافئتين الممدوتين أبدًا لكلّ الناس من شتّى المذاهبِ والمشارب.. في أضوائهِ وبريقهِ وحلوِ تجلّيه... في ضحكاتِ الناسِ ودورانهم حولَ دائرتهِ بسعادةٍ وغبطةٍ وائتلافٍ وانسجام، بلا خلاف ولا شحناء، وترتيلهم أنشودةً واحدة، لا تخبو ولا تتبدّد..



في ذاكَ النورِ الهادئِ والشفيفِ المنسكبِ على الوجوه، الذي يفسّر نفسَهُ بنفسِه، ويعلنُ عن نتاجِ الصومِ، وحصيلةِ التعبّدِ الفعليِّ الفاعلِ دونَ أن يتحدّث.. أراهُ أبدًا هوَ هو.. في فرحةِ الأطفال، وجذَلِ الكبار... في روائحهِ الشهيّةِ والعاطرةِ.. في التفافهِ حول الفقراءِ، وعطائهِ واحتضانه لهم، واختبائهِ عن أنظارهم الهاربةِ الخجلة، ووجوههم المتعفّفةِ الوجِلة، لئلّا يرى حياءها وانكسارها أمامه، ولئلاّ يشعرها بالمنّة..



أراه هوَ هوَ.. في نبضةِ حسّهِ، وتفتُّقِ خيراتهِ وسريانِ معانيه.. في ذكرهِ ودعائهِ وخشوعهِ وتساميه.. في عذبِ التلاواتِ المسترسلةِ المتدفّقة من كلّ حدبٍ وصوب.. في قربِ العبدِ فيه من ربّه، وسعيهِ ورجائه لينالَ السبقَ والقبول، وينهلَ من بحرِ نفحاتهِ العذبةِ كلّ يومٍ ولو قطرة..



في تفاصيل صغيرةٍ كنّا نحسبها عاداتٍ وطقوساً ليس إلاّ، فإذا بها تنقلبُ ذكرياتٍ وحكاياتٍ وأصولاً غُرِست فينا حدَّ القاع، وتجذّرت في عمقِ الأعماق، لتصيرَ جزءًا منّا، ونصيرَ جزءًا منها، ولتُنبِتَ فينا معنى الإنسانِ الحقيقيّ...



فرمضان، هو شهر الإنسانِ بلا منازع.. هو شهرُ الحقِّ والحقيقة، وعودة الإنسانِ إلى الفطرةِ والطبيعةِ دون وازع. فلا شيء يردعُ المسلم فيه عن تحقيق إنسانيّته، والسموّ بقيمه وأخلاقه وسلوكه سموًّا لا حِطّةَ فيه.. لا عذرَ أمامه ولا سبيل للهروبِ أو الرضوخ والانحدار.. ورمضان هو الألقُ الماطرُ والنورُ الزاخر، الذي يجتذبُ النفسَ اجتذابًا كي تسعى نحو سموِّها ورفعتِها ورقيِّها وعُلاها، ولكي تتزكّى فتعرف أصلَها ومقامَها، وتسعى لتكملَ ذاتها وغايتَها التي وُجدت لها..







قلوبُنا تهفو إليك يا رمضان، وكلّنا أملٌ بعودة أيامك الحلوة الزاهية، وأصواتك الشجيّةِ الشافية، تملأ البيت علينا غبطةً ودفئًا وسروراً، وتكتنفُنا تحت غطاءِ فرحٍ واحد، يشهدُ لهُ الكونُ بأجمعه، حتّى وإن لم يشاركْ كلُّ الناسِ في مضمونه، إلاّ أنّهُم شاهدون أبدًا على تميّزه وتفرّده بين الشهور أجمع، ومشتركون جميعًا على كونهِ شهرٌ سيمته التميُّز والتفرّدُ والبهاء، غطاؤهُ يظلّلُ المسلمينَ خاصّةً تحتَ ظلّه، ويقيهم هجيرَ الأيّامِ القاسيةِ المضنية، المثقلةِ بالمواجعِ والآلامِ وبالحروب، فتنعكسُ الظلالُ على العالَمين، هباتٍ ورحماتٍ وعطايا تدفقُ ولا تتوقّف..



سلامي لكَ يا رمضان.. ألا ليتَ السنةَ كلَّها لك، علّها تعوّض شيئًا من قيمة ما نفقده من هناءٍ وانشراحٍ وخفّةٍ وخشوعٍ بعيدًا عنك.. وليتَ العمرَ يُهدى إليك، فتجتنيه وترتديه، لتعطي ثمارًا حلوةً طعمها من أطيبِ ما يكون... فأنت الثمرُ وأنت الشجر، وأنتَ الأصل والغصن والفروع... وأنتَ الذي لولاك لما طِبنا ولا جنينا، ولا ارتقينا وتنقّينا ووُلدنا كلّ عامٍ من جديد...



ليت لنا عَبر بريد الذكرى والطفولةِ نافذة، نافذةً صغيرةً ضيّقة نتسلّلُ منها حيث نريدُ ونحلمُ ونتمنّى، فتوصلُنا إليك، ونصلُ عبركَ وخلالكَ كلَّ من نحبّهم ونفتقدُهم ونستجدي وصلَهم ورضاهم..



سلامي لأيّامكَ العتيقةِ حيثُ كانت وأينما حلّت ومالت، وسلاماتٍ جديدةٍ مولودةٍ متجدّدة، كطهرِ قدومكَ وروعةِ طلعتك وبهجةِ تجلّيك... سلامي لكَ أينما كنتَ وحيثُما توجّهت.. فأنتَ الشهرُ الذي تهفو القلوبُ لرؤيتِه.. وأنتَ البلسمُ الشافي الذي لا تملُّ الروحُ من انتظارهِ وارتجائهِ وارتشافِه، واجتلاءِ حُلوِ معانيه..

Ahlam عضوية موثقة
23:57 - 05/09  
اللهم تقبل منا صالح الأعمال
khalid
06:46 - 05/10  
الله اعنا على صيامه وقيامه
  :: فأنتَ الشهرُ الذي تهفو القلوبُ لرؤيتِه ::  عرض جميع المشاركات بالكامل تصغير عرض جميع المشاركات

طباعة
حجم الصفحة:
الصفحة :
إذهب إلى منتدى:
رمضان 2019 مبارك

~ حكمة اليوم ~ ~ ~ 0.74 ثانية ~
~ XML Sitemap ~ HTML Sitemap ~ URL List ~