منتديات شباب تايمز - تف﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ﴾
دخول الأعضاء
الإسم: الكلمة السرية:
هل نسيت الكلمة السرية؟ أضغط هنا..



طباعة
حجم الصفحة:
الصفحة :
إذهب إلى منتدى:
المنتدى الإسلامي العام
  تف﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ﴾  عرض جميع المشاركات بالكامل تصغير عرض جميع المشاركات
rachid
23:55 - 04/19  

تفسير قول الله تعالى

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي

 

 

قول الله تعالى ذكره: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة: 40، 41].

 

﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ﴾؛ أي: أحضروها قلوبكم ولا تنسوها، والذِّكر هنا ضد النسيان، مثل قوله تعالى في سورة مريم: ﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾، والقلب كلما كان مستحضرًا نعمة الله كان مقدرًا لها وشاكرًا عليها بما يليق بها من الشكر، فإذا اشتغل القلبُ عنها ونسيها حقرَت عنده وصغرت ثم تلاشَت فكفرها، ولله تعالى على بني إسرائيل نِعَمٌ لا يحصيها العدُّ - سيذكرهم ببعضها فيما سيأتي من الآيات - نسُوها وأعرضوا عنها، فكفروها وتمرَّدوا على مُسديها والمتفضِّل بها سبحانه، وطال عليهم أَمَد هذا النسيان فقسَت قلوبهم فكفروا بالله ورسوله.

 

"وَفَى" بعهده يفي وفاءً، و"أَوْفَى": إذا تمم العهدَ ولم ينقض حفظه، واشتقاق ضده - وهو الغدر - يدلُّ على ذلك، وهو الترك، و"العهد": الوصية بالشيء وحفظه ومراعاته حالاً بعد حال، والقيام به على وجهه، مأخوذ من: تعهَّد شيئًا؛ إذا تفقَّده، وأحدث العهدَ به، وسمي "الموثق" الذي يلزَم مراعاته "عهدًا"؛ قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: 34]، وقال في سورة النحل: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ﴾ [النحل: 91]، وقال: ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [النحل: 95]، فتوفيةُ العبد بعهد ربِّه: أن يبذل مجهودَه في جميع ما طولب به مما أشار الله إليه بقوله في سورة التوبة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ [التوبة: 111].

 

والعهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل يُعلم من الكتاب الذي أنزله عليهم، والذي نتحققه مما قصَّ الله علينا في القرآن الكريم - أنه قد عهد إليهم في ذلك الكتاب وعلى ألسنة رسله أن يعبدوا اللهَ وحده لا يشركوا به شيئًا، وأن يؤمنوا برسله الذين تقوم الآيات على صدقهم، وأن ينصروهم ويؤازروهم، وأن يطيعوا اللهَ فيما شرع، وألا يتخذوا من دونه مشرِّعين من أحبارهم ورهبانهم يُحلون لهم ما حرَّم الله، ويحرمون عليهم ما أحل الله، ويفترون الكذب على الله، وعهِد إليهم - كما في التوراة - أنه سبحانه سيبعث إليهم نبيًّا من بني إخوتهم - أي: بني إسماعيل - يقيم شعبًا جديدًا، ونصها: "نبيًّا أُقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، به فليؤمنوا"، وفي التوراة والإنجيل نصوص من هذا كثيرة، ساق منها كثيرًا جدًّا شيخُ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح، والإمام ابن القيم في كتاب هداية الحيارى، وذكر منها السموءل بني يحيى الذي كان من كبار أحبار اليهود وأسلم في القرن السادس في كتابه بذل المجهود في إفحام اليهود.

 

وهذا العهد الخاص بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد العهد بالإيمان بالله وإخلاص العبادة والطاعة له.

 

قال شيخنا السيد رشيد - رحمه الله -: ويدخل في عموم العهد: عهدُ الله الأكبر الذي أخذه على جميع البشر بمقتضى الفطرة، وهو التدبُّر والتروِّي، ووزن كل شيء بميزان العقل والنظر الصحيح، لا بميزان الهوى والغرور، ولو التفَت بنو إسرائيل إلى هذا العهد الإلهي العام، أو إلى تلك العهود الخاصة المنصوصة في كتابهم لآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، واتبعوا النورَ الذي أُنزل معَه، وكانوا من المفلحين؛ اهـ.

 

وعهْدُ اللهِ تعالى: وعده لهم إذا أوفوا بعهدهم أن يمكِّن لهم في الأرض بالعزَّة والسلطان والغلبة على غيرهم، وفلاح الدنيا والآخرة، وهو الذي بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 111]، كما قال تعالى في سورة النور: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ [النور: 55]، وقال تعالى لإبراهيم لما دعا ربَّه أن يجعل من ذريته أئمةً كما جعله الله إمامًا، قال الله له: ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 124].

 

وقد كان من أشدِّ وأقوى وأسباب نقض بني إسرائيل العهد، ونكثهم الميثاقَ: تحكُّم الرؤساء الدينيِّين في الناس، واستعبادهم العامة باسم الدين، وأنه وقفٌ عليهم، لا ينال منه العامة إلا ما يسمح لهم به أولئك الأحبارُ على قدر ما يأخذون عليه منهم من ثمن، والويل كلُّ الويل لمن ينطق بكلمةٍ في الدين من غير إجازةِ الأحبار وسماحهم له، فهناك التضليل والتكفير والحرمان من خير الدنيا والآخرة، فكانوا يملؤون القلبَ رهبة وخوفًا، وخشية منهم، فإذا حضروا طأطَأت الرؤوس، وعنَت الوجوه، وذلَّت النفوس، وتفتحت الآذان، وخشعَت القلوب لما يتفضل به الحبر ويتنزل من عليائه، فيَصول ويجول، ويشمخ ويطوح بأكمامه الواسعة، ويلقي على عبيده الخاشعين ما يشاء من بنات أفكاره، ومولدات رأسه الخاوية من كتاب الله وقول موسى عليه السلام، ولا يستطيع أحد أو يجرؤ أن يوجه له سؤالاً عن مصدر قوله الذي يزعم أنه دين الله الذي ارتضاه لعباده، ولا يقدر لسانٌ أن يتكلم بطلب دليل من حضرة الربِّ الأعظم، وإلا كان من الملعونين المطرودين، وكانت قلوبُهم كما وصفها الله سبحانه: ﴿ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ [البقرة: 74]؛ لما طال عليها من الأمد ناسية الله وآياته، ونعمه ودينه، فماتَت وتحجَّرَت، فليس فيها ذرَّة من خوف الله، ولا شيء من رهبته وخشيته، حتى تعمل حسابًا لعقابه الشديد لكل من افترى عليه الكذب، وعذابه الأليم لكل من استعبد الناس واستغلهم لشهوته باسم الدين، فكان الأحبارُ لا يخافون الله، وإنما يخافون العامة أن يطَّلعوا على خبيئة أمرهم، وما انطوَت عليه قلوبهم من الجهل بالله ودينه، فهم يحرصون أن يكون العامة أبدًا في عماية، وأن يحسِّنوا لهم كل ما فتنوا به بما يُوحي إليهم شياطينُهم من السخافات والأباطيل يلبسونها ثوب الدين، ويسوقونها في صورة الدين؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾؛ أي: لا ترهبوا سوايَ أنا؛ فإنه لا يقدر على المثوبة والعقوبة في الدنيا والآخرة أحد غيري، فلا العامَّة يقدرون على سلب نعمة أنعم الله بها على الأحبار، سواء كانت في العلم أو المال، ولا يقدرون أن يعطوهم من ذلك شيئًا سلبهم اللهُ إيَّاه، ولا الأحبار يقدرون كذلك على شيء من هذا، مهما موَّهوا بأكاذيبهم وخدعهم، ﴿ وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المجادلة: 10].

 

ولما كانوا يزعمون زورًا أنهم موفون بعهد الله بما يتوهمون من تلك القشور الجافة، والجهالات والآراء السقيمة، والحيَل الخادعة على استباحة المحرمات - بيَّن الله تعالى حقيقةَ الوفاء بالعهد فقال: ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ ﴾ مِن العلم والهدى والنور والحكمة على نبيِّي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه ما جاءكم بدينٍ يخالف دينَ إخوانه الأنبياء الذين سبقوه، ولا بشرائعَ تناقض شرائعهم، بل جاء بتوحيد الله في العبادة، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع؛ فمحمد صلى الله عليه وسلم إنما جاء ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴾؛ من التوراة وغيرها مما أنزله الله تعالى، وما طرأَ عليكم من الفسوق والعصيان والشرك والتمرُّد على الله إنما كان بما أحدَث لكم أحبارُكم من كتبٍ كتبوها بأيديهم، وقالوا: إنها من عند الله، وما هي من عند الله، فألقُوا هذه الكتب من أيديكم، وانزعوا سلطانَها عن قلوبكم، وتجرَّدوا للكتاب الحق الذي أنزله ربُّكم من عنده على نبيكم؛ فإنكم واجدون - إن فعلتم - أنه لا يتنافى مع القرآن، بل يأمر باتِّباعه والاستمساك بحبله، فثُوبوا إلى رشدكم، وراجعوا عقولَكم، وبادروا إلى الإيمان بمحمد، ﴿ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾؛ فإنكم أعرف الناس بصدقه، وإنكم لَتعرفونه كما تعرفون أبناءكم، ولقد كنتم تستفتحون به على الأوس والخزرج، وتنتظرونه، وتذكرون أن النصر والعزة لمن اتبعه؛ فكفركم به أشنع كفرٍ من نوعه، وأول كفر من بابه؛ إذ إنه قد كان الأولى والأجدرُ بكم بعد هذه المعرفة والعهود والبشارات أن تكونوا أسبقَ الناس إلى الإيمان به واتباعه ونصره، ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ﴾ التي أنزلتُها للهدى والرحمة ومعجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم، والتي أنزلتُها على مَن قَبلَه من الأنبياء علامات على صدقه - ﴿ ثَمَنًا ﴾ من الحرص على الدنيا وجاهها، التي يخوفكم الشيطانُ زوالَها إذا آمنتم به ﴿ قَلِيلاً ﴾ تافهًا بجانب ما أعدَّ الله للمؤمنين، ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ لا تخافوا غيري، وخافوني، ولكن كان شأن أولئك الذين تحجرَت قلوبهم كما وصف الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 89].

 

﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ﴾ [البقرة: 42].

لبس الثوبَ: استتر به، وأصل اللبس: ستر الشيء، فمعنى لبَس الحقَّ بالباطل: ستر الحق بالباطل؛ أي: إلباس الحقِّ ثوبَ الباطل القبيح، وإلباس الباطل ثوب الحق الجميل؛ وذلك بأن يصفوا الحقَّ بأنه قبيحٌ شنيع مخالف لما عليه الجمهور والسواد الأعظم، وأنه شذوذ، وأن يصفوا الباطلَ بأنه حسن جميل؛ لأن عليه السواد الأعظم، وهو الذي عليه الآباء والأجداد، والمشايخ والرؤساء، كمثل ما يقول المخرفون اليوم والجاهلون في ترويج عبادة الموتى: بأنها حبٌّ للأولياء والصالحين، وكرامة لهم، وتعظيم وتوقير، وأن ذلك هو الذي عليه الرؤساء والجمهور والآباء، ومضَت عليه السنون الطويلة، ويقولون في تشويه الحق والداعين إلى العبادة لله وتعظيمه وتوقيره: إنهم يكرهون الأولياءَ والصالحين، ويحتقرونهم وينكرون كراماتهم، ومثل ترويجهم للتقليد الأعمى: بأن ذلك هو الذي عليه الناس والجمهور من سنين متطاولة، وباب الاجتهاد قد أُغلق من دهور، وتقبيحهم لاتِّباع الكتاب والسنة؛ بأنَّ ذلك طعنٌ على الأئمة، واتهامٌ لهم ولمن اتبعهم، وخروج على الإجماع، ونحو ذلك مما يخالف الواقعَ والحقيقة التي يعلمها الله، ويعلمها العقلاء، وأن الدعوة إلى إخلاص العبادة لله هو تعظيم لله وتوقير له، وهو الأحقُّ بالإجلال والتوقير، وليس في إجلال الله إهانةٌ لأوليائه وأحبابه، بل فيه كلُّ التبجيل والإكرام لهم؛ لأنهم لم يكونوا أولياء لله إلا بحبهم له سبحانه وتبجيله، وتوقيره وإخلاص العبادة له، وليس في الرجوع إلى الكتاب والسنة وتحكيمهما أي اعتراض على الأئمة، بل فيه تعظيمهم؛ لأنهم كانوا على ذلك، وكانوا يشدِّدون الدعوةَ إليه لكل من استطاع واستكمل العدَّة لذلك، والنكير على تقليدهم وتقليد أحد في دين الله، كما هو ثابت من النصوص الصحيحة عنهم جميعًا رضي الله عنهم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ [الأنعام: 112].

 

قال الإمام ابن رجب رحمه الله: فأما مخالفةُ بعض أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم خطأ من غير عمدٍ، مع الاجتهاد على متابعته، فهذا يقع كثيرًا من أعيان الأمة من علمائها وصلحائها، ولا إثم فيه، بل صاحبه إذا اجتهد فله أجر على اجتهاده، وخطؤه موضوعٌ عنه، ومع هذا فلا يمنع ذلك مَن علِم أمرَ الرسول صلى الله عليه وسلم الذي خالفه هذا أن يبيِّن للأمة أن هذا مخالفٌ لأمر الرسول؛ نصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين، ولا يمنع ذلك من عظمة مَن خالف أمره خطأ، وهب أن المخالف عظيمٌ، له قدرة وجلالة، وهو محبوب للمؤمنين، إلا أن حقَّ الرسول مقدَّم على حقه، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول وعرَفه أن يبيِّنه للأمَّة، وينصح لهم، ويأمرهم باتباعه، وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة؛ فإن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أحقُّ أن يعظَّم ويقتدَى به مِن رأيِ معظَّم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأً - إلى أن قال -: بل ذلك المخالف المغفور له لا يَكره أن يُخالَف أمرُه إذا ظهر أمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه، بل يَرضى بمخالفة أمره ومتابعة أمر الرسول؛ كما أوصى الشافعيُّ رحمه الله: إذا صح الحديث في خلاف قوله أن يتبع الحديث ويترك قوله؛ اهـ.

 

ففي الواقع، عبَّاد القبور - مهما زعموا لأنفسهم - هم أعداءُ الأولياء والصالحين؛ لأنهم على خلاف أمرهم، وكذلك المقلِّدون تقليدًا أعمى - مهما سولَت لهم أوهامُهم - هم أبعد عن الأئمة وأشد الناس خروجًا على أصولهم وقواعدهم، وقد برَّأ اللهُ السلفيِّين الموحدين الذين جردوا قلوبهم في عبادة الله وطاعته وطاعة رسوله، والذين لا يقدِّمون قولَ أحد على قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم - قد برأهم الله مما يصِمُهم به أولئك الجاهلون المشنِّعون على الحق، والملبسون له ثوبَ الباطل، والمزيِّنون للباطل بما يخلعون عليه من أوهام وخرافات يوحيها شياطين الجن إلى شياطين الإنس زخرفَ القول غرورًا.

 

وقوله تعالى: ﴿ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.

كتمانُ الحقِّ: إخفاؤه وستره؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146]، فكتمانهم للحق: أنهم كانوا يعرفون آيات صدق محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، ثم لما جاءهم ما عرَفوا كفروا به، وكتموا هذه البشارات والآيات، وكذلك كانوا يشرعون من الدين ما لم يأذَن به اللهُ، ويُخفون عن الناس الحقَّ الذي أنزله الله على موسى وعيسى، بدعوى أنهم لا يقدرون على فهمه ومعرفته، وكان كتمانُهم هذا جريمةً أعظم جريمة، وخيانة أعظم خيانة، وما عمَّ الناس ويعُمُّهم من الفساد والشرور، ويقع بهم من أنواع البلاء والمحن إلا بسبب كتمان الحق وعدم بيانه أمرًا ونهيًا، وإنكارًا للمنكر، وأمرًا بالمعروف، وإقامة للدين، لكنَّ الخوف والجبنَ والجهل وحب الدنيا قامت عقبات، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ [آل عمران: 187]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ﴾ [البقرة: 174]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [البقرة: 159].

 

نسأل اللهَ أن يجعلنا من القائلين بالحق، الداعين إلى الحق، الناصرين للحق، الصابرين على ما يصيبنا في سبيل الحق، ومَلأ قلوبنا من خوفه سبحانه وحده وخشيته، لا خوف الناس وخشيتهم.




Mou3ad عضوية موثقة
06:17 - 04/23  
جزاكم الله خيرا
  تف﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ﴾  عرض جميع المشاركات بالكامل تصغير عرض جميع المشاركات

طباعة
حجم الصفحة:
الصفحة :
إذهب إلى منتدى:
المنتدى الإسلامي العام

~ حكمة اليوم ~ ~ ~ 0.41 ثانية ~
~ XML Sitemap ~ HTML Sitemap ~ URL List ~